٢٠١٠/٠٦/٠١


يكتب هادي خليل للجزيرة الوثائقية لمحة عن المخرج الفرنسي كريس ماركر أحد رواد السينما الوثائقية . تابع الوصلة هنا.


٢٠١٠/٠٢/١٩

عذراً... انقطاعي المفاجىء و الطويل عن الكتابة في هذه المدونة مرده الى انشغالي بمطالعة الكتب التي من الصعب تجاهلها و الى محاولتي تحديث مكتبتي السينمائية وخاصةً انني اسعى الى تغير الديكور و اقتناء اجهزة حديثة للاستمتاع بمشاهدة الافلام ، و هذا بالطبع يتوقف على مدى توافر السيولة النقدية...

ما علينا، أحب هنا أن أوضح نقطة اساسية : أنا لست بناقداً سينمائياً و لا امارسها لا في الصحافة المكتوبة أو المرئية ، بل أن هناك نقاد مهميين في العالم العربي و الغربي اتابع كتاباتهم و استفيد منها، بل انني استمتع بمطالعتها . فأنا من محبي مشاهدة الافلام و قراءة النقد عنها. كل ما أمارسه من كتابة في هذه المدونة هو مراجعة لافلام قد شاهدتها، قرأت عنها و اسعى لمشاهدتها. هناك عدد من الافلام التي اشاهدها باستمرار و اتجاهل الكتابة عنها و جزءاً ضئيلاً منها ادونه هنا.

من الافلام التي حصلت عليها مأخراً :

* The Bird People in China ( ياباني . اخراج ميكي تاكيشي )
* Missing ( امريكي . اخراج كوستا غافراس )
* The Killing of a Chinese Bookie (أمريكي . اخراج جون كاسافيتس )
* Alfred Hitchcock Presents : Season One ( امريكي . اخراج الفريد هيتشكوك )

٢٠١٠/٠١/١٦

جيري



بين الناس العاديين الذين التقيهم من سبق و شاهد "جيري " (Gerry) ، فيلم المخرج المخضرم غاس فان سانت ، و لم يجد فيه اي شئ سوى شابين تائهين وسط الصحراء و يعدوان الى ما لا نهاية ... من عادتي، أن مثل هذا الحديث يسليني ، بل قد يثير فضولي أكثر من لو أن الحديث دار مع مثقف "سينمائي" (و ليس المقصود هنا ترفعاً ابداً). لان ذاك الشخص قد يجد في عدد من الافلام مجرد تسلية تنسيه لبضع ساعات واقعه و لا يشغل باله بكثير من التفكير، بل يتطلب تفاعله مع الحدث. و لعل ما هو أكثر تسلية ما قاله أنه حاول المضي طويلاً في مشاهدته ، ولكنه سرعان ما تملكه الملل ، لانه بكل بساطة لم يجد فيه شيئاً يذكر !! قلت له أنني وجدت ذلك الفيلم عبقرياً.

لعل أجمل ما في السينما هي تلك المغامراة في المشاهدة و القدرة على تقديم ما يدهشنا و يدفعنا الى التسائل و التحليل . و هنا "جيري" لا يبغي " تلك التسلية" أو "التفاعل المصطنع" ، بل يبغى القلق و نقل المشاهد ليفكر مع الصورة . الصورة بكل بساطة مجردة ، و موغلة في البساطة ، بل لعل هذا الفيلم يشكل لب المينماليزم ، أي تجرد "الواقعة" من الاحداث و في طريقة السرد و تعاقب الصور، بعيداً كل البعد عن الاثارة و "التفزلك" في رسم تفاصيل الفيلم. هذا يشبه موسيقى الفنان برايين اينو (Brian Eno) ، الذي يعتمد النوتات الهادئة و المكررة في موسيقى الاليكترونيكا الالية ، ذات المستوى الواحد، لخلق عالم يسبح بعيداً في اجواء المجرات.

يأتي فيلم "جيري" ضمن سلسلة من ثلاثة أفلام ، هو أولها، تحت عنوان " سلسلة الموت" ، تبعها بكل من " الفيل " (Elephant) و "الايام الاخيرة" (Last Days) . و قد وضع سيناريو الفيلم كلاً من المخرج غاس فان سانت و الممثلين كاسي أفليك و مات ديمون. افتتاحية الفيلم تأتي مشابهة للفيلمين الآخرين ، من حيث أخذ لقطة عالية من الخلف لسيارة تسير على طريق صحراوي، من ثمم يخرج شابان ، كلاهما يدعى جيري ، من السيارة و يذهبان في مهمة للبحث عن شيء ما لا نعرف ما هو . يصلان الى نقطة معينة و من ثم يقررا الاستدارة و العودة الى السيارة ، لكنهما يفقدان الوجهة و يتابعوا السير يميناً و يساراً و لكن من دون جدوى. و هنا يقررا المبيت في الصحراء . يسيران مجدداً و يسيران لوقت طويل . ثم يتابعا سيرهما بصمت وسط الصحراء المقحلة ، الى أن يقفا للاستراحة. وفي لحظة لاستيعاب ما يجري لهما، يستغرق جيري (كاسي أفليك) في الحديث عن خسارته في لعبة فيديو حين ادرك أنه ينقصه حصاناً اضافياً لمجموع الاحصنة الاحدى عشر ليكمل اجتياح الفريق المنافس و غزوه... هذا و تزداد الصحراء قسوة و تتبدى طاقة الشابان في البحث العدمي حتى لو ترائ الامل سراباً...

بساطة الاحداث ، وقلة الحوار، و لو كان تافهاً ، لها دلالتها المستلة من واقع ما، و حتى لو أن هذا الواقع "المتخيل هنا " لا يحدث فيه الكثير و لا يستدعي بالضرورة أن يحدث فيه ما يحرك مسار الفيلم صعوداً و هبوطاً. لان واقع المتاهة يستلزم ذلك و حقيقة أن شابان عصريان يعجزان عن تحديد مسار الشرق من الغرب أو الشمال من الجنوب وسط الصحراء الشاسعة ، قد تشبه لعبة الفيديو التي وان خسر الاعب تتيح له كبسة الازرار معاودة الكرة من جديد لكسب الجولة، لكن الواقع هنا لا يمكن اعادة تسيريه في جولات جديدة ، و انما السيران في ظله و التوقف لايجاد الحلول الناجعة لتأقلم معه. اما في ما قل و دل في قلة الاحاديث ، فهذا لان قسوة الحضور الآني تشتت الفكر و يبقى السبيل الى النجاة المسيطر الكلي على الفكر.

التحدي الذي تفرضه الطبيعة على كلا ال"الجيري" كبير و قاسي ، في حين أنهما ببساطة عاجزين عن تحديد بوصلة الخروج ، و بالتالي فان معركة الوجود تزداد ضراوة . ولعل فيلم المخرج/الممثل شين بين "في البرية" (Into the Wild) ، المنقول عن قصة حقيقية لاميل هيرش الشاب الذي يقرر التخلي عن ترف الحياة و احراق كل ما يصله بها، ليرحل بعيداً الى عمق الطبيعة المتمثلة بسهول آلاسكا النائية. لكن حقيقة أن فتى المدينة ، الذي يبتغي حياة البراري و الراحة النفسية التي تقدمه ، بنى تخيلاته على نظرية ناقصة متمثلة في قدرته على تحقيق التكامل الذاتي مع الطبيعة ، لكنه لم يدرك أن تلك الطبيعة متقلبة و لديها شروطاً قاسية يجب أن تتوفر لمواكبتها و التأقلم معها. و يصح أيضاً أن اميل هيرش كانت نياته خالصة و طموحاته في قمة النبل الانساني لكن شائت الظروف أن تعاكس تلك المشيئة. هنا يختلف اميل هيرش و يتشابه مع كلا الجيري ، هو سعى نحو الطبيعة في حين أن الطبيعة فُرضت على الجيري ، لكن كلاهما يتشابهان في حقيقة أن الطبيعة باغتتهم و فقدا معها أنفسهم.

٢٠١٠/٠١/٠٦

لحظات عابرة: مخرجيين في قلب الصراع السياسي


قالها المخرج الكبير عباس كيروستامي: " صنع فيلمه بالسر و من دون موافقة السلطات و قرر الفرار من بعدها !" . هذا النقد وجهه كيروستامي ، صانع الشاعرية و رموزها في السينما الايرانية ، الى بهمان غوبادي ، مخرج "لا أحد يعرف عن القطط الفارسية " (No One Knows about Persian Cats) و الذي نال عليه استحسان الغرب (طبعاً!) و نال عنه جائزة النقاد في مهرجان كان للعام الفائت (وأيضاً طبعاً!).

و لعل النقد هنا قد يطال المخرج محسن مخملباف الذي يشن هجوماً متواصلاً على الحكومة الايرانية من منفاه الجديد في أوروبا، حيث تحول من صانع أفلام الى المتحدث الرسمي باسم المعارضة في الخارج. علماً أن مخملباف ، الذي تمتد تجاربه السينمائية من فترة الثمانينات الي الوقت المعاصر الذي منعت فيه أفلامه بعد أن كانت محوراً للحفاوة بها، كان قد سُجن في أيام الشاه اثر محاولته نزع سلاح شرطي ، شارك من بعدها في الثورة الاسلامية ضد هذا الحكم ، و لاحقاً تم تعينه من قبل النظام الاسلامي في مجال مراقبة الاعمال السينمائية ، الى أن قرر أن الاوان قد آن للانقلاب على الانقلاب.

المخرج جعفر بناهي ( الذي يأتي فيلمه السابق " الذهبي القاني " من سيناريو المخرج عباس كيروستامي . و هو فيلم سوداوي يحكي حياة الشاب حسين الذي يجد الاحباطات الكثيرة من خلال عمله في توصيل البيتزا يكتشف التناقظات و التفاوت الطبقي ، حينها يقرر السطو مع زميله على أحد محلات المجوهرات) الذي لا يجد من يحتفي بأعماله في الداخل أكثر من الخارج ، يقف بين جمهور المهرجانات ليطلب من لجنة التحكيم ارتداء شارة خضراء كرمز للمعارضة ضد حكم أحمدي نجاة وزمرته.

لكن اليس من حق هؤلاء التعبير عن أرائهم وأفكارهم كيفما شائوا وبكافة الوسائل المتاحة لديهم ؟ اليسوا هم جزءاً من مكونات المجتمع و يعكسون بأعمالهم تلك بعض الحالات التي يعانيها المجتمع ؟ الحرية شيء يملكه كل فرد و لا يحق لاحد انتزاعه منه و هي بالتالي حق مكتسب ، و لكل فرد من أفراد المجتمع حرية التعبير بالاساليب التي تعكس وجهة نظره . الا أن مشكلة تقع في الجهة المقابلة ، و بالتحديد مع بعض الاشخاص في اوروبا و آمريكا و في الصورة النمطية التي يريد الباسها على تلك الشعوب و لا يريد غير ذلك ، هو يريد حقاً أن يرى صورة المرأة النمطية لانها تثير لعابه و تخلق لديه تخيلات و تخيلات واسعة و عليه تغذيتها بالقدر اللازم لارضاء نزواته. يريد الثورات و الحروب التي لا تهدأ في بلاد العالم الثالث لانها تشكل مشروعاً للتدخل في شؤون تلك الدول - و الذي أصبح مادة يومية للسفارة الامريكية و المتسولين على ابوابها - أو من تلك المنظمات التي لا نعرف بالتحديد مصادر تمويلها. لكن السؤال الجوهري الذي يعيد طرح نفسه : ماذا قدمتم في المقابل لضحد هذه الصورة النمطية ؟ لا أعتقد الكثير !

الثقافة الايرانية حية و متفاعلة و نسبة الشباب المتعلم كبيرة و كذلك طموحاتهم ، و على قدر تلك الطموحات فهم يتطلعون الى نظام حكم عادل و متطور قادر على ايستعاب تلك الطموحات ، و عندما لم يأتي ذلك النظام على قدر تطلعاتهم انتفظوا عليه في شوارع طهران ، لكن لحساب زعماء معارضين ، ان نظرت ملياً في تاريخهم السابق تجدهم أكثر سوءاً في مجال حقوق الانسان و الفساد الاداري ( و طبعاً امريكا و بريطانيا - اللاعبان الرئيسيان في تلك التظاهرات - ليس لديهما مشكلة مع هذا أو ذاك ، طالمة أن مصالحهم مصانة . هم يريدون الطاعة من النصف الباقي ، و لا يهمهم لا ديموقراطية ولا بطيخ) ، و هكذا جاءت الثورة المخملية للمخرجيين مع نبض الشارع في مواجهة أنصار النظام.

: بهمن غوبادي :

هل أن السينما الايرانية تشهد اليوم مسيرة مختلفة عن سابقتها ، بعد أن شهدت صعوداً ذهبياً لفترة من الزمن ثم ضموراً عاد ليصحوا من جديد في أشكال تعبير جديدة ؟ ليست المسألة بهذا الشكل ، قد يكون المخرج بهمن غوبادي قد أخفى كاميرته و لم يأخذ اذن أحد عندما جمع عدداً من الشبان المتحمسين للغناء على طريقة الراب و الهيب هوب خلف اسوار مدينة طهران المقتظة ، حينها لم يكترث السيد غوبادي كثيراً للجمهور الذي تركه خلفه ، اراد الحصول على استحسان الجماهير الخارجية و ليس جمهوره و مريديه ، لان هؤلاء في طبيعة الحال سيتسنح لهم الحصول على شريطه هذا عن طريق السوق السوداء أو عن طريق الانترنت.

٢٠١٠/٠١/٠٣

Stuck


تشعر أحياناً أنك بت رهينة لظرف معين و تقول في نفسك " أنا علقان" (I'm Stuck) ! ... و كيف المخرج ، لا تدري ؟!... كيف وصلت الى هنا و لم أعد قادراً على التفلت منه ؟ بل و بات عليك أن تتأقلم مع الوضع الحالي، لانه لم يعد بوسعك سوى ذلك الى حين ...

يتبادر الى ذهني، في لحظة كتابة هذه السطور، مشهد من فيلم "فقد في الترجمة" (Lost in Translation) ، حيث سكارليت جوهانسون ملقاة باسترخاء و حائرة بأفكارها ، يجلس الى جوارها بيل موري ، الذي يجيد الاستماع و ممارسة الصمت بذكاء ،و تقول له : " ... نحن في ورطة !" . وذلك لان كلاهما قد وجدا نفسيهما في وضع مُحرج لم يعودا قادرين على الهروب منه ، وبالتالي على كل فرد التصرف وفق ذلك الظرف و معايشة الواقع كما هو (أو حتى التحايل عليه).

هل تعرف ما أتحدث عنه ؟

٢٠٠٩/١٢/٢٢

أفلام للمشاهدة قبل نهاية السنة

أيام معدودة و تنقضي سنة 2009 و تأتي سنة جديدة محملة بمفاجآت ، أمال، و خيبات . بل أن السنوات القادمة ، ان كنا متشائمين ، قد تحمل المزيد من التدهور البيئي و الكارثي في أنحاء مختلفة من المعمورة، و خصوصاً أن لقاء كوبينهاغن لم يحقق أي شئ يذكر ، بل جاء معاكساً لكل التوقعات و وصل الى نتيجة الصفر المكعب . و حامت أسئلة كثيرة : ماذا كنتم ستتوقعون مع دول كالولايات المتحدة و الصين التي تتربع على قائمة الدول المسببة للاحتباس الحراري ؟

لكن قبل انتهاء هذه السنة على خير ، هنا مجموعة من الافلام المميزة لهذه السنة أحببت مشاركتها معكم:

ُمرأة بدون رأس Le Mujer sin Cabeza



اخراج : لوسيريكا مارتيل Lucerica Martel

أثناء قيادة فيرونيكا ( Maria Onetto) لسيارتها في طريقها الى المنزل ، تنشغل للحظة في البحث عن هاتفها ، و فجأة تصطدم يشئ لا تدري ما هو ، فبدل الترجل من سيارتها تُكمل طريقها و تتفادى المشهد. لكنها تعيش قلق دائم يسيطر عليها و تفقد بذلك واقعها . هذا و يتم اكتشاف جثة الصبي ملقى على الطريق ، و يسعى زوجها لاقناعها أن كل شيئ على ما يرام و أن ذيول الحادث يمكن طويها.
اللحظات الصعبة التي تمر بها فيرونيكا تشحن الفيلم بمستويات من المشاعر عن القلق و فقدان الهوية و الشعور بالذنب ، تدفعنا بذلك المخرجة مارتيل (التي حسب قرائتي عنها أن أفلامها لا تلقى الترحيب الكافي من قبل المشاهدين ، لكنها تثبت جدارتها بهذا الفيلم ، على ما أعتقد) الى التفكير و الشعور بتلك الحيرة التي تدور برأس فيرونيكا.

الرسول Un Prophete

اخراج: جاك أوديار Jaques Audiard

عندما يسلم مالك ال جبينا (Tahar Rahim) ممتلكاته الخاصة الصغيرة الى أحد فروع السجن المركزي لانه لا يحق له ادخالها الى سجنه الجديد ، لا يدرك أن حين خروجه من السجن بعد ستة سنوات قد يكون واحداً من أهم زعماء العصابات و أن تلك الاشياء الصغيرة لم تعد تنتمي لجيبه. فمالك الذي يدخل الى السجن الكبير يبدو كالمسكين الذي لن يدوم طويلاً بين العصابات التي تتحكم بمداخل و مخارج السجن ، لكن حنكته تساعده على اللعب بين حبال الكورسكيين و الاصوليين داخل السجن و خارجه، و سرعان ما يصبح ذو شئن يحسب له الكثير من الحساب.
الفيلم الذي يمتد طوله لحوالي الساعتين و النصف مليئ بالاحداث المثيرة و التي قد يضيع المشاهد بين ثناياتها ، لكن المخرج أوديارد يعمل على ربطها بشكل بارع و يتحكم فيها كالخيوط التي يملك السيطرة عليها . تتوالى الاحداث تارةً بين لحظات الالم و السعادة ، العنف و الحب و يأتي العمل مسلياً و جميلاً في الابهار البصري و الروائي . و بالطبع اداء الممثل الرئيسي طاهر رحيم متميز و غاية في الابداع ، و منصفاً للدور الذي يؤديه. و ها هي موهبة جديدة قد برزت على الساحة الفنية.

رجل على الحبل Man on Wire


اخراج :جيمس مارش James Marsh

طموحات الشاب الفرنسي فيليب بيتي ( Philippe Petit) بالمشي على خيط رفيع يفصله عالياً عن جاذبية الارض و ملامسة السماء لم تثنيه الحواجز و المعوقات من المشي بين برجي التجارة العالمي (قبل كارثة سقوطهما) في نيويورك. لم يكتفي فيليب بيتي بالمشي فقط ، فقد قدم عرضاً راقصاً لمدة ساعة من الوقت قبل أن يتم القبض عليه من قبل شرطة نيويورك و احالته للفحص الطبي النفسي للتأكد من عدم جنونه ، و سجنه لفترة قصيرة قبل الافراج عنه. هذا الوثائقي ، جميل في التقرب من شخصية بيتي و شغفه الخطير منذ نعومة أظافره في التسلق عالياً و تحدي الصعوبات ، التي قد نجده ضرباً من الجنون. هذا الفن الرفيع الذي يفني فيليب بيتي جل عمره في سبيل تحقيقه ، لا يتوفر لكل شخص لانه مبني على شغف عميق و قدرات ذهنية و جسدية مصقولة عبر الوقت لتحقيق غايات محددة.

الوثائقي يوظف العديد من المواد المصورة للوصول الى خاتمة القفز فوق حبل الوصل بين البرجين ، فيعتمد على بعض المشاهد الأرشيفية المصورة التي التقطها رفاق درب بيتي ، اعادة تمثيل لمشاهد اختراق الحواجز الامنية ( استطاع فريق عمل بيتي التنكر كرجال صيانة في أحد البرجين لرسم المسافات و اعداد العدة للانطلاق)، و بالطبع الاعتماد على المقابلات المصورة لفيليب بيتي و المقربين منه لربط اجزاء الفيلم.

حدود السيطرة The Limits of Control

اخراج: جيم جيرموش Jim Jarmusch

الممثل اسحق دو بانكوليه (Issach De Bankole) ، الذي يشارك للمرة الرابعة بأفلام المخرج جيم جيرموش ، و هنا يأخذ الدور الرئيسي لشخصية غامضة لملاك مخلص ، يلتقي بعدد من الاشخاص في اسبانيا، يستمع الى أحاديثهم ، من الدون المشاركة فيها، عن الفلسفة، السينما، الموسيقى ، البوهيمية ، و الفنانين ... غذائه الروحي هي لتلك اللوحات المعلقة على جدران متحف الفنون المعاصرة ، يتمعن فيها و تأتي كرمزية شعرية وجودية خارقة لحدود السيطرة . يتنقل من مكان الى أخر ، و من ثم يجلس في أحد المقاهي و يحتسي كوبين من القهوة و يراقب بانتظار وصول المراسل الذي ما أن ينتهي من حديثه حتى يمرر له علبة كبريت تحتوي على شيفرة مرمزة و كل ذلك يدور في سعي دو بانكوليه للوصول الى هدفه النهائي.

أفلام جيم جرموش بعيدة كل البعد عن الميلودراما ، و هي مجزئة الى مقاطع و أجزاء تخدم الفكرة العامة . من يتوقع حدوث تسلسل روائي في أفلامه قد لا يجد الكثير منه، بل أن الافراد و ما يصدر عنهم هو لب الحدث بذاته. هناك مشاركة لعدد كبير من الممثلين الذين سبق أن عمل المخرج معهم أمثال :
Alex Descas, John Hurt, Youki Kudoh, Bill Murray, and Tilda Swinton
و وجوه جديدة لم يسبق أن عمل معها : كالممثل المكسيكي Gael Garcia Bernal و الممثلة الفلسطينية Hiam Abbass ، و عدد لا بأس به.

الفيلم يرمز الى الكثير و قد يعتبر أول عمل للمخرج ذات مدلولات سياسية ، حيث أن الثقافة المتنوعة للشعوب بكل أشكالها هي مقهورة و تحت سيطرة الرجل الذي يجلس خلف اسواراً حصينة و ما على الملاك المخلص سوى مواجهته.

٢٠٠٩/١٢/١٨

حدث أنني في فترة الثمانينات كنت من الشغوفين بحلقات المخرج العبقري ألفرد هيتشكوك " Hitchcock Presents" ، القصص متنوعة في كل حلقة و جميعها مليئة بالمفاجئات و اللالغاز . المشاهد يتابع مجريات الاحداث الى النهاية التي تأتي خاتمتها معاكسة لكل توقعاته (هل لان البشر يبنوا توقعاتهم كنتيجة طبيعية لمكتسبات واقعهم ؟ ) و صادمة أحياناً.

واحدة من الحلقات التي أذكرها تدور حول قاتل متجول أرعب المدينة بأسرها و بقي الشغل الشاغل لوسائل الاعلام و حديث الناس ، الى أن نأتي لتلك السيدة التي تسكن بمفردها ، وقد انكبت بالبحث عن ذلك الشخص الذي تريد أن تثق به كفاية لتغير قفل منزلها. تلتقي بعدد من الاشخاص لكنهم يثيرون لديها الشكوك و الريبة الى أن تلتقي بشخص ظريف يساعدها على جلب فاتح الاقفال و لكن المفاجئة التي لا تأتي ببالها، و ببالنا أيضاً ، أن ذلك الظريف هو القاتل المتخفي.


على العموم ، هناك الفنان السويسري تومس أوت Thomas Ott المشهور برسومه الصورية comics، و من أعماله ما يشبه لحدً ما ما ذكرته سابقاً عن حلقات هيتشكوك التشويقية ( أو تلك الحلقات المشهورة لمسلسل "Tales from the Crept" ). قصصه غاية في الغرابة بحيث أنها خالية تماماً من الحوار و معتمدة كلياً على الصور المتسلسلة للاحداث . الرسوم بالابيض و الاسود تأتي كدلالة على قساوة الحياة و سوداويتها و كذلك للشخوص الذين يعيشونها ، هم انتهازيين بطبيعتهم ، الغرابة تتحكم بطباعهم و العنف وسيلتهم . لا وجود هنا للخيرين ، بل أن الشر متحكم بالخيرين أيضاً. الكادر الذي يضم الحدث مأخوذ بزوايا متدرجة - و كأنها رسومات مرسومة على ألواح لفيلم يراد تصويره - بحيث يطغي الظلال على الوجوه و تبدو قاسية و مذنبة و قد تحمل تلك الزاويا المأخوذة من الاعلى ، و من الاسفل ، أبعاداً مختلفة : كذلك الرجل الذي يسير في رواق مظلم و يبدو أنه يخفي شيئاً ما ، الى أن يلقى حتفه على يد مجرم ، و هكذا....